وكالة مهر للأنباء: في وقت كانت أنظار العالم متجهة إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحديداً إلى مشاريع قرارات وقف النار في غزّة ولبنان الذي ما زالت إسرائيل تعارضه أو تنتهكه، وتلتفّ عليه بطرق مختلفة، من أجل مواصلة عدوانها الوحشي، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أن لقاءات ثلاثية جمعته مع نظيره المغربي ناصر بوريطة وبحضور السفير الأميركي في الأمم المتحدة مايك والتز، توّجت بما أسماها "ترقية دبلوماسية" بين بلده والمغرب.
لم تنفِ الرباط هذا التصريح الذي أكد ما تسرّب قبل أشهر من رغبة المغرب رفع مستوى التمثيل الديبلوماسي بينها وبين الكيان الإسرائيلي، غير أن ذلك لم يكن محض رغبة طوعية بين الجانبَين، إذ تفيد تقارير بأن هذه الخطوة جرت في مناخات لم تخل من ابتزاز معقّد، فضلاً عن تلميحات باحتمال حدوث سيناريوهات مخيفة للمغرب لو تراجع عن التسريع بالخطوة، ولعلّ من أهمها ما يتعلق بمسألة الصحراء الغربية.
ليس الأمر مجرّد "ارتقاء" بمكتبي الاتصال في الرباط وتل أبيب إلى سفارتَين، رغم أهمية هذا على المستوى الرمزي في هذا السياق بالذات الذي تعزّزت فيه عزلة إسرائيل الدولية التي بدت أخيراً واضحة، وانخرطت فيها حتى أكثر البلدان حرصاً على تلك العلاقات، على غرار بريطانيا وفرنسا. ويفيد بيان مقتضب بأن المغرب ودولة الاحتلال اتفقا أيضاً على تنشيط التبادل التجاري وإيجاد التشريعات الكافية لتجاوز الازدواج الضريبي، وتثبيت الامتيازات القانونية الممنوحة لرجال الأعمال منهما. وجاء البيان على تمتين الربط الجوي، وإشراك الخطوط المغربية في هذه الرحلات، بعد أن كانت شركات الكيان الإسرائيلي وحدها تؤمن الرحلات، وتعوّل الرباط أيضاً على الاستفادة الاقتصادية من التطبيع ثمناً تأمل أن تجنيه من خطوةٍ جلبت لها الكثير من الاستنكار في محيطيها العربي والإسلامي وداخلياً، إذ قوبلت كل تلك الإجراءات التطبيعية باستهجان كبير من مختلف التيارات السياسية المغربية (باستثناء القليل). ولعلّ الشارع المغربي كان الأكثر تعبيراً عن تعاطفه مع غزّة خلال المحن التي مرت بها، ما يجعل هذا التطبيع مقتصراً في أوساط دبلوماسية وسياسية محدودة وفاقداً أي امتداد شعبي.
وتؤكّد بيانات حزب العدالة والتنمية وعديد من النقابات والهيئات الشعبية والمدنية رسوخ هذا الرفض الشعبي المتنامي للتطبيع الذي ما زالت بعض أحزاب السلطة، على غرار حزب التجمّع الوطني للأحرار المشارك في الائتلاف الحاكم، تدافع عنه خياراً وطنياً انطلق منذ أكثر من ستّ سنوات "تحت الشمس وفي العلن"، في إشارة إلى حالات تطبيع أخرى متستّرة منذ سنوات. يجري هذا الجدل في غمرة انتخابات تشريعية سيكون الموقف بشأن حرب الإبادة الإسرائيلية في غزّة أحد السجالات الصاخبة فيها، فالمزاج الشعبي كما تؤكّد استطلاعات الرأي ما زال معارضاً التطبيع.
خطوة اعتباطية وغير مدروسة، وهي بمثابة مكافأة لإسرائيل في مناخات إبادة اقترفتها وما زالت في حقّ أشقائنا الفلسطينيين واللبنانيين
تحاول الرباط تسويق تطبيعها من خلال التباين مع حالات أخرى، على غرار ما بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين وبلدان عربية أخرى، فهي تراه استئنافاً للعلاقات الدبلوماسية، وليس تطبيعاً كاملاً. والحال أن هذا لعبٌ على الكلمات، وتحايلٌ على الحقيقة المرّة، خصوصاً وأن هذا التطبيع يجري في سياق مغاربي شديد الحساسية، ويُخشى أن يعمّق التصدّع في المنطقة المغاربية التي تعطّل اتحادها منذ عقود ويلفظ أنفاسه، كما أن الجزائر التي قطعت علاقاتها مع الإمارات (عرّابة التطبيع على قاعدة اتفاقات أبراهام) أخيراً ستتعزّز مخاوفها من هذه الخطوة التي تراها تهديداً لسلامة ترابها وأمنها الوطني، ومعلوم أنّ البلدَين يبرمان صفقات للتّسلح على نحوٍ غير مسبوق.
لا شيء يبرّر ما أقدم عليه المغرب، خصوصاً في هذا التوقيت، تزداد عزلة إسرائيل التي تبدو أكثر من أي وقت مضى منبوذةً، حتى في حضانتها الغربية الأكثر انحيازاً لها، وتتوالى دعوات الاعتراف بفلسطين دولةً كاملة السيادة وافتتاح سفارات لها في عواصم عديدة من دون إغفال تجميد اتفاقيات لبيع الأسلحة، فضلاً عن مبادرات أكاديمية وفنية تطالب بوقف كل أشكال التعاون مع الكيان.
هذه الخطوة اعتباطية وغير مدروسة، وهي بمثابة مكافأة لإسرائيل في مناخات إبادة اقترفتها وما زالت في حقّ أشقائنا الفلسطينيين واللبنانيين، وتلقي بزيت الفتنة في منطقة المغرب العربي، ما يعاظم المخاوف القائمة حقيقةً.

تعليقك